top of page
Search

الكتابة مجدداً

  • Writer: Raffi Minas
    Raffi Minas
  • Dec 29, 2025
  • 4 min read

Updated: Jan 4


أزاحت فيريل خصلة شعرها المجعّدة الرفيعة، ثم أزاحت غطاء سريرها السميك لتنهض بجسمها الصغير متمايلة تُقطّع حِبال الأحلام وتزيل أيادي جنيّات النعس اللواتي رحن يسحبن فيريل لتعود إلى فراشها الدافئ. نظرت بعينيها الكبيرتين عبر النافذة، فلم ترَ شيئاً سوى البياض. تنهدت سائلة نفسها لماذا اختار أهلها كندا كمكان للعيش! وعندما استحضرت صورة واحدة كالوميض من صور الحرب، عذرت أهلها ولعنت الجليد والمدرسة واللون الأبيض... والحرب.

وصلت فيريل إلى الصف بعد أن رمت بسترتها الثقيلة في خزانتها المعدنية الخاصة، اتجهت إلى مقعدها وشعرها يسحر الشبّان بجنونه، بتمرده، بلمعانه الأسود؛ وكأنه يعكس شخصية فيريل ويظهرها للعلن بكل جرأة. الكل يدفن رأسه بهاتفه الخاص، بشاشته الذكية، بمواقعه الغبية. حتى "صباح الخير" العادية، تكاد تكون غير موجودة. تذكرت فيريل مدرستها الابتدائية والإعدادية، تذكرت الصخب والغبار ورائحة العرق الممزوجة برائحة العطور والمكياج الرخيص. تذكرت الأحاديث المشوقة والتافهة والعادية المليئة بالحب والرغبة...


Eye-level view of an open notebook with a pen resting on its pages


مع بداية انخطافها للماضي، كما كانت تصفها أمها حين تبدأ بالشرود المفاجئ، دخل الأستاذ بنشاط مناقض لدرجة الحرارة والتوقيت الصباحي المبكر. فهذا النشاط قد يظهر لدى فيريل عند الرابعة تقريباً، وقد لا يظهر أبداً! أخرج كتاباً وراح يقرأ من صفحاته ويشرح بنشاط رهيب رغم عدم تفاعل الطلاب معه. أمسك بقلم اللوح وراح يلوّح به، مدحرجاً إياه بين أصابعه الطويلة، حتى نزع غطاءه واتجه للوح الأبيض غير أنه تجمّد للحظة. أعاد الغطاء لرأس القلم الذي راح يرتجف لا برداً بل توتراً متسرّباً من يد الأستاذ الذي سكت ونظر إلى تلاميذه. وضع الكتاب على الطاولة وطلب من الطلاب والطالبات إخراج ورقة وقلم وكتابة ما سيقوله. معظم الطلاب لم يكن لديهم دفتراً أو قلماً، فأسندوا رؤوسهم على راحة كفوفهم الصغيرة. بدأ الأستاذ يتحدث ببطء شديد وكأنه يختبر أمراً ما. نظر الطلاب إلى بعضهم البعض وكأن شيئاً غريباً مشتركاً أصابهم. ازداد توتر الأستاذ الذي أخذ بالتعرق. قائلاً بصوت متقطع مبحوح؛ "أنتم أيضاً!!"

ما هي إلا دقائق كانت أشبه بالصقيع الذي يخترق العظام، حتى انطلق صوت مديرة المدرسة من مكبر الصوت الخاص بالصف معلناً عن دعوة جميع المدرسين والمدرسات إلى غرفة الإدارة حالاً. وبعد نصف ساعة، تحوّلت المدرسة إلى حديقة حيوانات أزيحت الأقفال عن أقفاصها. فراح الطلّاب والطالبات بالصراخ والركض في الممرات متجهين خارج المدرسة بعد أن أعلنت المديرة عن قرار عودة جميع الطلاب إلى بيوتهم!

مشت فيريل والدم قد تجمد في عروقها المتجمدة بفعل البرد. كل الطلاب كانوا يصرخون "لا أستطيع الكتابة" "لقد نسيت كيف أكتب.. يا إلهي!" وصلت إلى البيت لترى أبيها قد عاد من عمله. نظرت إلى أمها التي عادت أيضاً من مدرسة اللغة. سألت عن سبب عودتهم، لكن نظراتهما كانتا أشد دهشة. الكل عاد لنفس السبب، لقد نسوا الكتابة!

جلسوا على الأريكة العريضة بعد أن أعدت أم فيريل القهوة العربية الثقيلة علّها تفتح الأذهان وتعيد قدرتهم على الكتابة. أشعلوا التلفاز وراحوا يتابعون الأخبار المحلية والعالمية.

"حدث عالمي مخيف... البشرية نست الكتابة!"

 لم يتصدر هذا العنوان القنوات الإخبارية، فما من أحد باستطاعته كتابة هذا العنوان، ببساطة! توقف البث ليعلنوا المذيعين والمذيعات هذا الخبر الصادم. فتحت فيريل حسابها على "الفيس بوك" لكن لا يوجد أي منشور. هناك فقط فيديوهات لأناس، معظمهم من المشاهير، يصرخون أمام الكاميرا، يبكون.. لم أعد باستطاعتي الكتابة. أرجوكم أنقذونا...

ما هي إلّا ساعات حتى أغلقت المطارات، وحركة النقل البرّية والبحرية. ما من أحد قادر على تدوين حركة الدخول والخروج. لكن الكارثة الحقيقية كانت في المستشفيات، فلم يعد بمقدور الأطباء أو الممرضات تسجيل حالات المرضى أو كتابة وصفة طبية. تردد صدى هذه المشكلة لتصيب شركات التأمين ومؤسسات دفن الموتى وشؤون تسجيل الولادات. الميت لم يعد ميتاً رسمياً في السجلات، والمولود حديثاً لم يدخل حيز الوجود الحضاري البشري بعد لغياب اسمه في أي سجل، ولعل أبسطها شهادة الميلاد!

بقي الوضع على حاله لعدة أيام ليسوء أكثر مع فقدان عمليات التعديل الرقمية التي تُجرى على الأنظمة المؤتمتة وشبكات الانترنت، بعد أسبوعين غابت آخر التحديثات عن مواقع التواصل الاجتماعي، ففقد البشر ذاك العالم الافتراضي الذي باتوا أسرى فيه منذ زمن، وها هم قد تحرروا منه لكن بصورة مخيفة. فقد العالم التواصل وأخذ يفقد "نعمة" التكنولوجيا والتطور التي أوهم نفسه بها. بدأ الناس باللقاء في الساحات العامة والحدائق رغم البرد ودرجات الحرارة البعيدة جداً عن الصفر. راحوا يروون حكاياتهم ويومياتهم لبعضهم البعض. أخذ كبار السن يحكون حكايات شبابهم ومراهقتهم، والكل كان يسمع بحب واهتمام.

عادت الإذاعات للعمل وكأن تم اختراعها للتو. تنشّطت ذاكرة الناس وصارت أقوى وأكثر مرونة. أخذ الناس يحفظون تواريخ الميلاد، الأسماء، الحوادث الطريفة والمؤلمة التي كانوا يعيشونها كل يوم. باتوا يحفظون الأشعار والقصص والآيات، يرددونها، يغنونها، يرقصون على أنغامها.

انهارت معظم البورصات والشركات الرأسمالية الأخطبوطية التي كانت تسيطر على العالم. مما دفع بالصناعات اليدوية من منتوجات حرفية وألبسة ومأكولات وغيرها تخرج من سجونها التي زجّتها بها الرأسمالية. عادت الأعمال الحرّة والأملاك الخاصة تعمل وتزدهر، بل صارت هي المخلص مع بدأ نفاذ المنتجات!

 

بعد مرور عدة أشهر، أمسكت فيريل بقلمها الأزرق، راحت تلتمسه وكأنه عصفور فقد الروح. كائن هش، لا يطير ولا يُغرّد ولا يقفز. وضعت رأس القلم على ورقة من دفترها الصغير. أغمضت عيناها الكبيرتين، وخطّت اسمها "فـيريــل" نعم! لقد فعلتها! قفز العصفور ونجح في التحليق مجدداً!

ركضت خارج غرفتها، وضعت الصفحة أمام عيني أمّها. نظرت الأم لثواني غير مستوعبة ما الغاية من هذه الحركة. ثم نظرت إلى فيريل مصعوقة سائلة إياها: "فعلتِها الآن؟" هزّت فيريل رأسها وهي تبكي بغبطة عارمة.

بات بيت فيريل قبلة لكل من يود أن يدوّن ويؤرّخ حدثاً مهمّاً في حياته. بات حديث المدينة، بل المقاطعة بأسرها. عرضت الشركات على أهل فيريل مبالغ هائلة مقابل العمل لصالحهم، لكن فيريل رفضت كل تلك العروض، واكتفت بتدوين يوميات الناس، رسائلهم، أمنياتهم ووصيتهم قبل أن يرحلوا عن هذا العالم دون أن يرحلوا!

 

وجدت فيريل أن الأمر لن يكون جيداً إن استمر على هذه الحال. فبدأت بتشكيل صفوف لتعليم الكتابة، وكل شخص من تلك الصفوف، يعلّم عائلته أو حتى عائلتين إضافيتين. راح الناس يتعلّمون ويُعلّمون بنهم. كانت العملية بسيطة بما أن باستطاعتهم القراءة بعد. ما هي إلا أشهر قليلة حتى وصلت الأخبار من دول مجاورة، وحتى بلدان وقرى بعيدة كان فيها أفراداً كفيريل استطاعوا الكتابة مجدداً، وأنشأوا تلك الصفوف، لتعود الكتابة إلى البشرية من جديد.

 

الغريب والمُحزن والمُحبط أن العالم عاد إلى عهد ما قبل نسيان الكتابة، إلى اليوم الذي ذهبت فيه فيريل إلى مدرستها. لكن، هناك شيئاً واحداً تغيّر أو بالأحرى لم يكن موجوداً وصار موجوداً بعد أن عادت البشرية إلى الكتابة مجدادً...الآن، باتت البشرية تدرك وتعي للعبودية غير المرئية التي تعيشها، وهذا الوعي خلق مجموعات كبيرة أخذت تعمل بحذر لتقود البشرية من الكتابة إلى الحرّية...

 

 

كالغري

31- 05 -2022


نشرت هذه القصة في مجلة ميترا الكندية. العدد 6 – 2022


 

 
 
 

Comments


​I acknowledge that I live, work, and tell stories on the traditional territories of the Treaty 7 Nations: The Blackfoot Confederacy (Siksika, Piikani, Kainai), the Îethka Nakoda Nations (Chiniki, Bearspaw, Goodstoney), and the Tsuut’ina Nation. This land is also home to the Métis Nation, Region 3. I honor the enduring connection of Indigenous peoples to this land, which they share with newcomers, and I am grateful to call it my new home with respect.

bottom of page