في برزخ المسودة
- Raffi Minas
- Feb 14
- 3 min read
خرج أديب من الكنيسة بعد أن دخلها والقدّاس على وشك الانتهاء. لم يكن أديب مسيحياً ولا مؤمناً، لكنه كان يقصد الكنيسة طلباً للشمع المصنوع من زيت الزيتون. هناك الشمع طبيعي وأرخص بكثير من الذي يُباع في المحلات. وضع بضع قطع نقدية مقابل ست شمعات جميلات، خبّأها في جيبِ معطفه، وتوجه إلى بيت أمّه. أنهى الغذاء الدسم الشهي الذي أطفأ كل محركات دماغه وأوقفها عن العمل بمفعول الشحم والدهن، حاول عبثاً أن يعيد تحريك المسننات المعطّلة في دماغه ببعض الشاي بالقرفة، لكن دون فائدة!
بعد قيلولةٍ معتبرةٍ على سرير الطفولة، الذي أصبح صغيراً الآن وخالياً من الأحلام. اتجه إلى طاولته بكسل، أشعل سيجارة وجلس ساكناً كالدُبّ الملقى في زاوية الغرفة. أخذ يعبث بالكتب والمصنفات الموجودة أمامه. سحب مصنفاً أزرقاً وبدأ بإيقاظ الأوراق النائمة بداخله، وإذ بمجموعة أوراق تحمل عنوان:
"لقاء ... قصة قصيرة"
أخذ يقرأ سطورها ويتذكر ما كتبه حين كان خياله شلالاً قوياً، وكان لديه حينها أحلامٌ لا يمكن كبحها أو التخلي عنها. غير أن حلم الكاتب الصغير تلاشى وتحول ذاك الصبي الموهوب وغريب الأطوار إلى موظف أقل من عادي في شركة المياه التي باتت نادرة الوجود في هذه المدينة.
ما استوقف أديب عند قراءة المسودة هو التغير الذي طرأ عليها. ما زال أديب يذكر تماماً أن بطل القصة كان شاباً في أوائل العشرينات من عمره، يقف عند موقف الباص في انتظار حبيبته. غير أن الشخصية هنا في الأربعينات، بلحية طويلة تخطّها الشيب، والتعب ظاهر في وصف الشخصية. سأل أديب نفسه من تكون هذه الشخصية ومن أين أتت؟

في اليوم التالي بعد انتهاء عمله، وكعادته، اتجه أديب إلى مقهى "السنابل" ليدخن سيجارة أو ثلاث مع فنجان قهوة. هذا الطقس اليومي كان يساعده على التعافي من ضجيج الموظفين الذين جعلوا من المكاتب "مغارة لصوص" وما من ناصري شجاع يرفع سوطه ويطردهم.
راح أديب في حالة شرود اعتيادية يتأمل الشارع والمارّة المتعبين العائدين من أعمالهم كالفلاحين أو العبيد. وجوهٌ شاحبة بدون معالم، أكتافٌ منسدلة بفعل جاذبية غريبة تسحب الأحياء نحو أرضٍ صارت قبراً ضخماً. الملفت في ذاك المشهد الرمادي، والذي سلب انتباه أديب ووعيه بالكامل، هو الرجل الأربعيني ذو اللحية الطويلة الشائبة. ذاك الذي يقف عند موقف الباص كتمثالٍ صدئٍ.
نهض أديب مسرعاً إلى بيت أمّه التي استغربت من قدومه على غير عادته. اتجه إلى غرفته، أخرج المصنف الأزرق الذي يحوي مسودة " لقاء ... قصة قصيرة" وصُعق حين قرأ القصة مرة أخرى، ووجد نصاً جديداً لم يكن موجوداً البارحة.
"أنا هي الشخصية الشابّة التي ابتكرتها هنا قبل عشرين عاماً. جعلتني أقفُ هنا عند موقف الباص منتظراً حبيبتي، سلام، كي نذهب سويةً إلى المحكمة ونتزوج ومن ثم نتجه بسيارة أجرة إلى بيروت. لكنك لم تكمل القصة، ولم تخبرني ماذا سيحدث، هل ستأتي سلام أم ماذا؟ بقيتُ واقفاً مكاني لأني لا أعلم إلى أين أذهب وماذا سيحدث. مصيري بيدك أنت.. أنت الكاتب، لكنك على ما يبدو اعتزلت الكتابة ولم تكمل حكايتي وراح عمري وأنا واقفٌ هنا عند موقف الباص. فأرجوك، إمّا أكمل القصة، أو أحرقها وأرسلني إلى العدم"
توجّه أديب إلى النافذة، أشعل سيجارته بهدوء، ألقى نظرةً على رسالة الشخصية المنسية الموضوعة على الطاولة المكدّسة بمصنّفاتٍ ملوّنةٍ تحمل في طيّاتها عشراتِ المسوداتِ غير المكتملة. لاحظ وجود ثيابِ أطفالٍ منشورةً على حبال الغسيل في الشرفة المقابلة له. أسند كوعه إلى راحة يده اليسرى، وراح يدخن بهدوء، ينتظر خروج تلك الأم إلى الشرفة، التي يبدو أنها في زيارة طويلة لبيت أهلها.
ملاحظة: كتب لي أديب، الشخصيةُ في هذه القصة، في كل مرة أفتح فيها مسودة هذه القصة. يخبرني بأنه ما زال واقفاً عند النافذة، وما من أحدٍ خرج إلى تلك الشرفة، ولا الثياب جفّت...
كالغري
2020/ 12



Comments