top of page
Search

الوحش الذي يأكل الألوان (1/5)

  • Writer: Raffi Minas
    Raffi Minas
  • Jan 6
  • 2 min read

حكاية عن السكان الأصليين في كندا



الجزء الأول: وجوه من أوراق الشجر

 

كنت أرعى أختي الصغيرة كأنها أبنتي، بالرغم من أني أكبرها عشرة أعوام فقط. جاءت بالخطأ، كما كانت تقول أمي، وفي كلّ مرّة كنت أسمع فيها هذه العبارة، أسأل نفسي، هل هناك أطفال يأتون عن طريق الصواب! أهي رمية حجر على علب البيرة، كما كان أبي يلعب مع رفاقه حين يبالغون بالشرب! انتشرت عبارة أمي تلك كلقب لأختي الصغير، نورما، التي كبرت في الحي وهي تسمع صدى هذه الجملة، حتى استقرت في أعماقها كوحش داكن، وراح يكبر مع نورما سنة بعد سنة، حتى صار أكبر منها وابتلعها.

في تلك المحمية السكنية للسكان الأصليين (reserves)، كانت نورما مختلفة عن الأطفال هناك. ففي الوقت الذي كنا نلعب كرة المضرب، أو كرة القدم، أو لعبة الاختباء، كانت نورما تسبح في عالمها الخاص، تجمع أوراق الشجر وتصنع منها وجوهاً وتطلق عليهم أسماء وصفات. تبقى جالسة على ركبتيها وتروي حكاية الوجه، تسرد أصغر تفصيل في تاريخ حياته، دون النظر في وجه الأطفال الذين سألوها عن الوجه.


تأتي أصابع ريح الخريف لتزيل ملامح الوجوه وتحمل تفاصيلها إلى كل مكان، لكن حكايات نورما تبقى عالقة في ذهن الأطفال، ليس لأنها قصص مميزة ذات حبكة مشوّقة فحسب، بل لأن تلك الشخصيات كانت تزرع في قلوب الأطفال الصغيرة، شيئاً من الخوف والرعب. كل شخصيات نورما تعاني من إدمان الكحول أو التدخين، أو تخطف الأطفال وتضعهم في جوف الأشجار الضخمة. كانت نورما تضفي لمستها الواقعية من خلال التفاصيل الصغيرة، ليس على القصة فحسب، بل على الصورة. كنت ترى أوراق داكنة تشكّل العيون، أو أوراق يابسة تخطي منطقة الخدود. عادة ما كانت تستخدم الأوراق شديدة الصفرة لتشكلّ وجوه الشخصيات التي تختطف الأطفال، وغالباً تكون أسماءهم "جون" أو "توماس" أو "مستر سميث."

تنام الوجوه تحت غطاء الثلج السميك، تغمض عينيها وتترك نفسها لتتلاشى مع التراب كي تعود بعد عدة أشهر وتظهر على الأغصان أكثر خضرة. في هذا الوقت، كانت نورما ترسم على الأوراق والجدران، وأنا أركض خلفها، محاولاً أن أزوّدها بالأوراق كي تبتعد عن الجدران، جدران بيتنا المتآكل. لم يكن أبي يرى تلك التشققات والتصدعات التي تسمح للصقيع والمطر والحشرات في الدخول إلى بيتنا، بل كانت رسومات نورما هي ما تثير غضبه وجنونه، أو ... الوحش الذي أكله يوماً ما وسيطر عليه، وكان يستيقظ كلّما رأى رسمة على الجدار. ذلك الوحش الذي كنّا نكرهه أنا ونورما، فقد كنّا نعرف بأن هذا الرجل الذي أمامنا الآن ليس أبينا اللطيف، ليس الرجل الذي يحبنا ونحبّه، بل الوحش الذي يستيقظ على أتفه الأمور، وتفوح من أنفاسه رائحة الويسكي الوخزة. ذاك الوحش الذي سكن أبي قبل عقود في مدرسته الداخلية، لكنه لم يقضِ عليه فحسب، بل قضى علينا جميعاً!


يتبع ...

 

 

 
 
 

Comments


​I acknowledge that I live, work, and tell stories on the traditional territories of the Treaty 7 Nations: The Blackfoot Confederacy (Siksika, Piikani, Kainai), the Îethka Nakoda Nations (Chiniki, Bearspaw, Goodstoney), and the Tsuut’ina Nation. This land is also home to the Métis Nation, Region 3. I honor the enduring connection of Indigenous peoples to this land, which they share with newcomers, and I am grateful to call it my new home with respect.

bottom of page