الوحش الذي يأكل الألوان (2/5)
- Raffi Minas
- Jan 9
- 3 min read
حكاية عن السكان الأصليين في كندا
الجزء الثاني: ولادة الوحش الذي يأكل الألوان
كنّا نركض بعيداً ونختبأ بمجرد أن نشم رائحة الوحش. كانت تضمني نورما بقوة وترتجف، كنت أستغرب كل مرة كيف أنها تتحول إلى كائن ضعيف وخائف إلى هذا الحد! في الوقت الذي أنا نفسي كنت خائفاً، ربما أكثر من نورما، لأنه ليس لدي خيالٌ كخيالها لأهرب به إلى عالمٍ آخر أكون فيه قوياً، أو على الأقل، لا يكون فيه كل هذا.
أختي الأكبر، ساره، تزوجت وهي في الثامنة عشر، لا أعتقد حبّاً بل هرباً أو مللاً من تكرار نفس السيناريو يومياً. صراخ وتكسير وضرب، إضافة إلى النوم بلا عشاء لأيام طويلة، وأمور أخرى لا أودّ تذكرها. أخبرتنا بأنها ستذهب مع صديقها براين إلى مانيتوبا للعمل في إحدى المصانع هناك، وأن الشركة ستعطيهم استوديو مجاني للسكن. أي شيء هو أفضل من هذا المكان. لم تنتظر ساره الرد أو الموافقة، بل كان إعلاناً بأنها ستهرب بشكل رسمي، ستنجو! أتذكر كيف بكت أمي طوال الليل، ليس على فراق ساره فحسب، بل على نفسها. فلم تمتلك جرأة ساره، ولم تحقق شيئاً من أحلامها في هذا المكان البعيد المعزول عن العالم. أحبّت ميتيغ، أبي، أحبّته فعلاً، وقد يكون هذا السبب في الاستمرار. ما هذا الحب! وهل هو فعلاً حبّ! قد يكون حباً، نعم، لكننا لم نره في بدايته عندما كان برعماً صغيراً يحاول أن يُزهر زهرة جميلة بعد شهور الصقيع الطويلة. كان حبّاً بين ميتيغ وليزا، حبّاً عوّض ميتيغ فيه عن سنوات الوحدة والفقدان. وكان بالنسبة لليزا أشبه بقصة فانتازيا قصيرة، سرعان ما انتهت بسرعة. قصة شاب هرب من المدارس الداخلية ومشى لأميال قاطعاً الغابات الأنهار والمخاطر، ليظهر فجأة أمام بيتها الشمالي، وكأنه إنسان بدائي، كما تقوم هوليوود بتصويرنا دائماً!
أخبرتني نورما فيما بعد عندما أصبحت وجوهنا مجعّدة بائسة، كوجهِ أمِّنا، بأنها كانت تعرف حكاية أبينا ومعاناته في المدرسة الداخلية وهروبه ورحلته شبه الخيالية. كيف تم اقتلاع ميتيغ من عائلته وأخذه مع أخوته إلى المدارس الداخلية. ذهب معه أخوه الأكبر، أما أخواته الثلاثة، فقد تم أخذهن إلى مدرسة أخرى لعدم وجود شاغر لهن في المدرسة. عانى أخوه الكبير من أمراض عديدة، بسبب ضعف مناعته، وبعد سنة، مات بداء غير معروف جاء من أوروبا مع الحقائب المليئة بالحرية والحضارة! أصبح ميتيغ وحيداً تماماً. خسر عائلته، أخاه الكبير، خصلة شعره الطويلة... واسمه.

انتقل ميتيغ، أو بيتر، كما صار اسمه، إلى مدرسة أخرى بعد أن صار عدوانياً وكأنه يحاول أن ينتقم لموت أخيه. كأن الرهبان والمسؤولين عن المدرسة هم الذين قتلوه. كيف مات إذن! لم يقتلوه، صحيح، لكنهم أخبروا الموت عن مكانه، عن جسده الهش، فتحوا الباب للموت مبكراً. ابتعد ميتيغ أكثر عن أرضه في جنوب أوتاوا، وانتقل غرباً إلى ألبيرتا. حيث البرد والثلج الذي لم يعرفه ميتيغ، أو لنقل لم يكن متآلفاً معه. كأنه انتقل إلى بلدٍ آخر، كأنه مهاجر!
بردت مشاعر ميتيغ وصار أكثر هدوءً، خاصة بعد أن تعلّم النجارة ووجد في الأخشاب شيئاً يشبهه، وينشّط ذاكرته التي بدأت تخبو كنار الفجر. ابتداءً من اسمه، ميتيغ، الشجرة، التي اقتلعت من مكانها. ورائحة الخشب وهو يحترق تحت القدر الكبير، عندما كانت أمّه تطهو له حساء البطاطا المفضّل لديه. والطوطم الصغير الذي أعطاه إياه والده كي يكون حارساً له ومصدر قوة. ذلك الطوطم الذي رآه يحترق مع ثيابه المزركشة الجميلة، التي قامت جدّته بصناعتها له.
أبدع ميتيغ بصناعة العلب الصغيرة، والنقش عليها بدقة ومهارة. جسده الذي كان يكبر بسرعة، ساعده على التعامل مع الأخشاب العنيدة ذات العقد الكبيرة. كان يتحداها ويطاوعها لتصبح كما يريد، كما هي في خياله. لكن سلطة المدرسة كانت فوق قوة جسده الضخم، وفوق العقد الخشبية، وفوق موهبته. كان ميتيغ يُعاقب بشدّة على النقوش التي كان ينحتها على الأخشاب. نقوش من قبيلته كانت عالقة في ذاكرته، رسومات وأشكال ينتمي إليها وتنتمي إلى الأرض، أرضه. لكن الرهبان كانوا يعاقبوه كل مرة كانوا يجدون قطعة خشبية عليها تلك النقوش، أو رسومات قد رسمها على أوراق صغيرة، أو جدران الصف. كان يتم حبسه في غرفة مظلمة ليومين، أو ضربه بعصا خشبية على أصابعه المتجمدة من البرد.
استبدل ميتيغ النسر بحمامة، واستبدل أوراق القيقب بأوراق العنب التي لم يكن يعرفها. لكنه استمر في رسم ونقش تلك الأشكال بالسرّ، فقد وجد فيها وسيلته الوحيدة في الاستمرار، في إيجاد سبب لبقائه. غير أن العقاب المتكرر والذي كان يزداد مع ازدياد حجم ميتيغ وعناده، أنتهى الأمر بميتيغ في اتخاذ قراره بعدم الاقتراب من الخشب والنجارة بعد الآن. اتخذ قراره ذاك بعد أن قضى ليلة شديدة البرودة في إحدى غرف قبو المدرسة. هناك، في تلك الظلمة التامة، ولِد الوحش الصغير في جوف ميتيغ، الوحش الذي سيكره الألوان والأشكال الجميلة.
يتبع...



Comments