الوحش الذي يأكل الألوان (3/5)
- Raffi Minas
- Jan 10
- 3 min read
حكاية عن السكان الأصليين في كندا
الجزء الثالث: لهب صغير
انتظر ميتيغ حتى بداية تموز كي ينفّذ خطته ويهرب من معسكر الموت الذي كان فيه. الكثير من الطلاب قد اختفوا لأسباب مجهولة ولوجهة مجهولة. طبعاً عرفنا بعد عقود بأنهم دفنوا في جدران المدراس وأقبيتها. وإن توفي الطالب أمام أصدقائه، فيعزو السبب إلى ضعف المناعة، أو يد الشيطان التي طالت الطالب بسبب ضعف إيمانه وخطاياه.
انطلق ميتيغ في غاباتٍ وطرقاتٍ لا يعرفها ولا يعرف إلى أين قد توصله. بالنسبة له الموت أفضل من كل هذا العذاب. كان عنيداً ثورياً بالفطرة وأراد ألّا يموت كأصدقائه خاصة بعد أن اختبر الغرفة المظلمة وأمور أخرى لا نعلم عنها شيء.
قد خطط وجهّز جيداً خلال الشتاء لهذه الرحلة التي كانت باتجاه واحد (one way). كان يقتطع جزءاً صغيراً من وجباته ويخبأها داخل جدار المدرسة الخارجي. لكن بعد شهر من هذه العملية الصعبة، اكتشف أن السناجب قد اكتشفت مخبئه وأكلت كل المؤنة. بدأ من جديد لكن هذه المرّة، خبأ المؤنة داخل المدرسة، وبالتحديد، في الكنيسة الصغيرة – التشابيل- إلى جانب تحضيره لبعض الأدوات الحادة التي ستساعده في رحلته، كصنع خنجرٍ صغير من علب القصدير، أو جمع الأغطية المعدنية ذات الحواف المدببة المتشكلة من فتح العلب.
لم تكن عملية الهروب صعبة، كل ما فعله هو إشعال النار في ورشة النجارة. انتقم من العلب الصغيرة التي صنعها، انتقم للنسر والغراب والسلحفاة الذين احترقوا بالنار، وأراد للأشكال الغريبة التي فُرضت عليه أن تُجرّب طعم النار. عمّت الفوضى في المدرسة، وهبّ الجميع لإطفاء النار التي استيقظت كمارد ضخم. وقف ميتيغ بعيداً ينظر إلى شكل النار بخوف. لم يكن يتوقع أن تكبر النار بهذا الشكل وتأكل كل ما طال لسانها. تذكّر ميتيغ أن عليه الهرب الآن. ركض سريعاً، ركض بقوة ألف حصان، ركض وكانت دموعه تتطاير نحو الخلف وكأنها تريد أن تعود هناك وتطفأ النار وتنقذ من بقي هناك.

في تلك الليلة، لم يشعل ميتيغ ناراً ليتدفأ بها ويبعد عنه حيوانات البرّية. بل ضمّ ركبتيه إلى صدره، تكوّر على نفسه، وراح يتأمل القمر الذي حجب نوره بقايا دخان حريق المدرسة الذي مازال يتصاعد نحو السماء. تخيّل أن هذا الدخان يتصاعد من نار قبيلته البعيدة، هناك حين كان يرقص حولها مع أبيه وأخوته. مع قرع الطبول، وعمّه يغني مصدراً صوتاً قويّاً يشبه غناء النسر للقمم. كان يراهم بأزيائهم الملوّنة المزركشة، وعلى رؤوسهم الريش الطويلة، يدورون حول أنفسهم ويصعدون على درج الدخان نحو القمر المكتمل، ليتلاشوا في عمق النور.
مسح ميتيغ دموعه بيده، ثم مسحها على ركبتيه. راح يفكّر مجدداً بالحريق، بالسبب الذي دفعه لإشعال النار. فكّر بالنار نفسها، كم كانت صغيرة بحجم قبعة شمعة. لكنها تحوّلت إلى دبّ جائع، بل أكبر، أكبر بكثير. كل شيء يبدأ صغيراً وبسيطاً، لكن فجأة يلتهم كل شيء. عدّة سفن رست على شواطئ هذه الأرض، أرض السلحفاة، لكن سرعان ما غرقت الشواطئ بالسفن، واختفى الأفق خلف الأشرعة القادمة من الشرق. كانوا بالنسبة لميتيغ أناس متخلفين أكثر من أن يكونوا حضاريين. أسرى لملوك وأفكار وتقاليد، ولم ير فيهم أناساً أحرار، بل أشخاص مقيدين بسلاسل وهيمة، جاؤوا ليقيدوا سكان هذه الأرض بسلاسل حديدية!
قفز ميتيغ سعيداً ناسياً تعبه. شعر بأنه وجد شيئاً مفقوداً، كأن روحه عادت إليه بعد أن أُخذت منه. صرخ "لكنني الآن أنا حرّ ... حرّ...حرّ" وراح يقفز ويرقص ويدور ويدور حول نفسه، رأسه مرفوعاً نحو السماء، ويضحك لآلاف النجوم التي كانت ترقص بقوة في تلك الليلة.
بعد مسير أسبوع أو أكثر، رأى ميتيغ دخان يتصاعد من مكان قريب. دخان لنار تنام تحت قدرٍ يحمل في جوفه طعام شهي. لم يستطع الركض بسبب خلو جسده من أي قوة، فقد نفذت مؤونته منذ يومين، إضافة إلى أشعة الشمس الحارقة. عندما وصل إلى مصدر الرائحة، وجد نفسه واقفاً أمام فتاة جميلة تصغره بعدة سنوات، تلعب بألعاب خشبية ملونة، تجلس في ظل بيتها. راحت تنظر إلى كائن غريب تفوح منه رائحة رهيبة. لم تكن نظرة خوف أو استعلاء كنظرات المستوطنين، بل نظرة شفقة وتعجب. أما ميتيغ، فقد شعر بالذعر لسببين. أدرك بأنه قد كبر كثيراً رغم أن عمره لم يتجاوز السادسة عشر. أما السبب الثاني، فهو الصليب الخشبي الذي كان معلّقاً على عنق الفتاة.
يتبع...



👏🏻👏🏻👏🏻