الوحش الذي يأكل الألوان (4/5)
- Raffi Minas
- Jan 16
- 3 min read
حكاية عن السكان الأصليين في كندا
الجزء الرابع: الكعكة المهشّمة
كنتُ في الثالثة والعشرون عندما وقفتُ أمام أبي أتأمله مطولاً لأول مرة. كانت أول مرة أراه مسكيناً، طيباً... وأباً. وكانت آخر مرة أرى فيها أبي.. أبي من دون الوحش. كنتُ أقفُ أمام جسده الضخم، الذي أورثني إياه، إلّا أن جسده الآن بلا روح، لا يقوَ على الضرب أو قطع الأخشاب، ولا على الصراخ والبكاء. حتى أن رائحة الويسكي لن تفوح منه بعد الآن، بل رائحة العفن. كانت نورما قد بلغت الثالثة عشر قبل يوم من وفاته، وهذا ما جعلها تكره عيد مولدها، وأعياد الميلاد.
كان أبي لطيفاً وهادئاً يومها، أو في ذلك الشهر. كان قد خفف من شربه كثيراً بعد أن مرضت أمي في تلك الفترة، محاولاً البقاء يقظاً كي يكون إلى جانبها. لم يكن يريد أن تموت المرأة التي أحبّها، ولم يحبّ غيرها، وهو غائب في عالم آخر. تحسّنت صحة أمي بعد العلاج الذي قامت عشيرة أمي بتغطية معظم تكاليفه، وإرسال النساء ليبقين بجانبها ودعمها ومساعدة نورما في دروسها.
كنت أعمل في المتجر الصغير ككاشير وأمور أخرى، كتنظيف الحمامات القذرة ليلاً. عملي ذاك كان يوفّر لنا الخبز والحليب ومعلبات حساء البطاطا مجاناً، فقد كان صاحب المتجر يسمح لي بأخذ المنتجات التي اقترب موعد انتهاء صلاحيتها، أو أنها لم تعد صالحة للبيع. إلّا أن كعكة عيد ميلاد نورما، كانت جديدة وطازجة، دفعتُ ثمنه ربع مرتبي تقريباً. طلبتُ من المخبز أن يكتبوا عليه "عيد ميلاد سعيد نورما" مع رسومات لأوراق الشجر الخريفية.
أحضرت الكعكة في علبة كرتونية بيضاء. وضعتها في الثلاجة دون أن تعرف نورما. همستُ لأمي سرّاً بأمر الكعكة، فابتسمت ومسحت وجهي بيدها التي لم تكن تحمل الكثير من القوة. انتظرنا قدوم أبي. كان قد خرج صباحاً ولا ندري إلى أين. خافت أمي أن يأتي أبي ويرانا قد قطعنا الكعكة واحتفلنا من دونه، فسيغضب كثيراً ولا ندرِ ماذا ستكون ردة فعله. تخطت الساعة العاشرة مساءاً ولا أثر لأبي، ذهبوا أصدقاء نورما غاضبين، ونامت نورما أسفل الدرج بعد أن بكت حتى جفت دموعها. لم أستطع النوم يومها، كنت أفكّر في السبب الذي يجعل من الإنسان أن يكون لا مبالياً بأولاده ومشاعرهم لهذا الحدّ. هل فعلاً جاءت نورما عن طريق الخطأ، ولهذا لم يأبه أبي طوال الإثني عشر سنة الماضية بعيد ميلادها!

في صباح اليوم التالي، استيقظت نورما باكراً، فتحت الثلاجة لتضع لنفسها كوباً من الحليب البارد في كأسٍ شفافة كما كانت تحب؛ فوجدت الصندوق الكرتوني الأبيض. لم تقل لي شيئاً، فقد كنتُ نائماً على الكنبة دون أن أشعر وأنا أنتظر عودة أبي. حملت نورما الكعكة خارج الصندوق، ومشت خارجاً نحو صندوق النفايات الكبير في الممر الخلفي لبيتنا. أخبرتني بذلك لاحقاً بعد سنوات عندما زرتها في المشفى. كانت الشمس لم تستيقظ بعد، لكن غيوم كحلية وحمراء داكنة كانت مبعثرة في السماء وكأنها بقايا حفلة عيد ميلاد كونية. مشت نحو الصندوق الحديدي الكبير، ورمت الكعكة كيفما اتفق، فالصندوق كان محاطاً بأكياس كبيرة وقطع أثاث محطّمة وأشياء أخرى غير واضحة بسبب العتمة. شعرت نورما بارتياح في داخلها، انتقمت من أبيها الذي أفسد عيد ميلادها. لم تغضب منه في السنوات السابقة، أما غضبها تلك السنة، تلك الليلة بالذات، لأنه خاب ظنّها بأبيها، وبالأيام القادمة. شعرت بأن أبيها الطيب قد عاد مجدداً في الشهر الماضي. وأن ذلك الوحش لم يعد يظهر. شعرت بأن حلمها قد تلاشى بسرعة وأن أبيها عاد للويسكي بعد أن رأى أمها تتحسن. رغبت في أن تسوء صحة أمنا مجدداً، أن تبقى مريضة، وأن يبقى أبينا كما هو، دون وجود ذلك الوحش.
بعد أن مشت نورما عدة خطوات، عادت إلى القمامة مجدداً لكي تتذوق طعم الكعكة. ندمت لأنها رمت الكعكة دون أن تذوقها، أو ربما أرادت أن تضع كرزة على كعكة انتقامها، وأن تأكل الكعكة المهشّمة من القمامة. لكن كان ذلك القرار هو أسوأ قرار قد اتخذته نورما في حياتها، لأنه سيغير حياتها كلياً، وإلى غير عودة.
عندما عادت إلى القمامة، وجدت الكعكة قد سقطت على وجه أبيها، ميتيغ، الذي كان مطعوناً ثلاثة عشر طعنة ومرمياً هناك طوال الليل.
يتبع ...



Comments