الوحش الذي يأكل الألوان (5/5)
- Raffi Minas
- Jan 18
- 3 min read
حكاية عن السكان الأصليين في كندا
الجزء الخامس (الأخير): ثمرة على غصن شجرة بلا جذور
تخرجت نورما من معهد الرسم، احتفلنا أنا وهي وأمي، التي أصبحت عجوزاً، حتى أن أصدقاء نورما كانوا يظنون أنها جدّتها وليست أمّها. هذا ما جعل نورما تعيش في عالمين منفصلين تماماً، وعملت جاهداً على عدم التقاء هذين العالمين. عالم عائلتها التي تمسّكت بها، رغم كل العيوب التي فيها. ومجموعة أصدقائها الصغيرة التي كانت لا تشبه عائلتها بشيء. مجموعة شبان وصبايا هيبيين من جنسيات مختلفة. يعبدون الحرية، يمارسون طقوس الفوضى، ويحاربون من أجل السلام.
أرادت نورما أن تعمل بالفن، الرسم بالتحديد، لكن كل الطرق كانت قصيرة ومسدودة في نهايتها. فتاة، وفقير، ومن السكان الأصليين، كل هذا أضعف فرصها في إيجاد عمل في المجتمع الذكوري الذي اليوم يحارب مجتمعات العالم ويتهمها بالذكورية. لم يقبل أحد تلك اللوحات الرائعة التي كانت تدمج من خلالها ألوان وأشكال فن السكان الأصليين، مع صور واقعية وقصاصات جرائد تحمل أخباراً تعيسة. كانت تصنع كولاجات رائعة، أحرقت معظمها حين دخلت في عالم الاكتئاب. شعرت أنها تحارب الطواحين مع أصدقائها الهيبيين خاصة بعد أن تحولت القضية إلى لايف ستايل وموضة. منهم من قصّ شعره، وحلق لحيته، ارتدى طقماً رمادياً مسلّماً نفسه للرأسمالية. آخرين رموا بآلاتهم الموسيقية في النهر، ورموا أنفسهم في أحضان الروتين والحياة التقليدية. أما نورما، فقد رمت بنفسها في أحضان الموت، لكنه رفض استقبالها. استطعت نقلها إلى المشفى في الوقت المناسب وغسلوا معدتها التي كانت تحوي على مئتي حبة دواء.
عمِلت معي في المتجر الكبير الذي كنت أعمل فيه جزّاراً. لكنها لم تكمل شهرين هناك، كانت أشجع مني، لقد علِقتُ في تلك الثلاجة حتى اليوم، خمس وعشرون عاماً وأنا مخدّر في تلك الغرفة الضخمة، بين الأجساد المسلوخة وبخار النتروجين يطفو من تحتي كأني في الفردوس. أرى عملي هذا علاجاً، صدقاً. تصالحت مع فكرة الموت، تقبّلت فكرة أننا لا شيء، أننا كتل لحم ليس إلا. ننسلخ، نتجمد، نصبح طعاماً لآخرين. مخيفة الفكرة بعض الشيء، لكن المكان كان يجمّد أفكاري أيضاً، أو لأكن صريحاً، يعزلني عن العالم الخارجي. وهذا أفشل علاقاتي، أفشل زواجي الذي لم يدم طويلاً، والحمد لله أنه لم يثمر بأي أطفال. أعرف بأني لا أصلح لأكون أباً، يكفي أني كنت أباً لنورما، وقد فشلت ... أو ... لنعد لنورما...

التحقت نورما ببرامج إعادة التأهيل، وكورسات التوظيف. كانت تشاركني بعض القصص والمواقف من تلك الكورسات. أذكر أننا كنا جالسين عند النهر، نشرب البيرة وندخن، عندما أخبرتني أن المدرّبة طلبت من المشاركين أن يكتبوا عن أنفسهم تحت عنوان "أعرف نفسك" ضحكنا طويلاً، ضحكنا حتى راحت دموعنا تسيل. أعرف أن نورما تضحك قليلاً، لكن عندما كانت تضحك، تضحك لأقصى حد، تسيل دموعها وتقلب على ظهرها، مظهرها وحده يجعلك تضحك. لكن في تلك اللحظة كانت دموعها تلك مالحة!
أمر مضحك بالفعل. يأتيك أشخاص من الطرف الآخر من العالم، يتجاهلون تاريخك وعاداتك ومن تكون. يجعلون منك مشرداً تائهاً، يفككون عائلتك ليبنوها حسب مخططهم، أو في حالتنا، يتركوها مفككة، كما هي. ثم يدعونك إلى جلسات من تصميمهم، جلسات كولونيالية لكن بمظهر لطيف إيجابي يدعوك لتكون "مواطناً فعّالاً" كي تعمل وتدفع الضرائب بدلاً من أن يدفعوا لإصلاح ما أفسدوه. أمر مبكي بالفعل. أن تحتاج لشخص كي يعرّفك بنفسك، لا عيب في ذلك، لكن ذاك الشخص هو نفسه من جعلك تنسى نفسك، من أضاعها منك.
آسف، دعني أكمل لك عن نورما. لقد وجدت نفسها بالفعل، من خلال تلك الجلسات، قد تستغرب، لكنها ذكية، ذكية جداً، أرادت أن تكون عاملة اجتماعية لتصنع مثل تلك الجلسات، لكن بطريقتها، لفتيات من السكان الأصليين، مثلها، من هم ثمار على أشجار بلا جذور. أن تساعدهن في إيجاد جذور لهن في تربتهن؛ بعيداً عن التنمية البشرية وهذه الترهات الفارغة.
خلال سنوات، صنعت نورما عملاً رائعاً. حتى أنا لم أعرفها. لقد صارت شخصاً آخر. تدافع عن الفتيات الصغيرات في مجتمعات السكان الأصليين، تناصرهن وتطالب بحقوقهن في التعليم واللعب وغيرها من البرامج التي تفيدهن فعلاً. عملت في ملفات المدارس الداخلية، وهناك وجدت آثار أقدام أبينا، تتبعت تلك الخطوط وأعادت إحياء الكثير من قصص أولئك الطلاب. في النهاية الجوائز ذهبت لصنّاع الأفلام أو الكتّاب، مع شكر عابر لنورما دون أن تحصد أي شيء. لم تكن تنتظر شيئاً بالأصل.
تمكن النظام أخيراً من سحق نورما، مثل معظم الفنانين الذين تركوا أحلامهم وإبداعهم ليصيروا عمال اجتماعيين أو موظفين في جمعيات غير ربحية. سحقت وجوه أوراق الخريف. رمت الألوان والرسوم والشعارات في نفاية النسيان، أشعلت النار في ورشة صناعة شخصياتها الخيالية، ومشت في غابة العمل المظلمة. كلّما حاولت الهرب من ماضيها، تجد نفسها تلف وتدور لتعود وتتواجه معه. حتى الرجل الوحيد الذي أحبته، كان مجرد نسخة سيئة من أبيها.
لم نجده مقتولاً قرب حاوية القمامة، ولم تهشم في وجهه كعكة، بل فعلت ما فعلته ساره، أختنا، رحلت.
بل أبعد من ساره..
هذا الصباح، كنت في المشفى أنهي تحقيق الشرطة.
أخبروني أن فريق الإسعاف حاول جاهداً استعادة نورما، لكنها كانت قد رحلت...
كالغري – كندا
2025



Comments