شطرنج
- Raffi Minas
- Jan 2
- 2 min read
Updated: Jan 4
ركنتُ السيارة قرب شجرة التفاح في الزاوية المقابلة لساحة القرية. ترجلتُ منها بقدمين واهنتين من التعب والجوع. لم أبحث طويلًا عن مطعمٍ أو مقهى يعيد لي بعض القوة، إذ لفت انتباهي تجمّع صغير من الرجال والشبّان في مقهى الساحة. اقتربتُ منهم، بينما كانت أفكار لا حصر لها تدور في رأسي ومعدتي الفارغة.
عندما وصلتُ، رأيت ما توقعته: مباراة شطرنج محتدمة بين رجلين لا تبدو عليهما خبرة المحترفين. قررت التوقف قليلًا قبل أن أطلب وجبتي، لكن شيئًا غريبًا شدّني إلى اللعبة، حتى أنني نسيت الجوع تمامًا.

"أين الملك؟!" قلتها بصوت بالكاد سمعه أحد، لكن فجأة أطبقت يدٌ غليظة على فمي، وسحبتني أخرى إلى الوراء. قبل أن أستوعب ما يحدث، شعرت بقوة تدفعني خارج المقهى. نظر إليّ شاب بعينين حادتين فهمتُ منهما أن عليَّ العودة إلى سيارتي، لكنه لحق بي وأمسك بمعصمي، فيما كانت عيناه شاخصتين نحو الطريق:
- آسف... لكن أكمل طريقك، وسأخبرك بكل شيء.
ثم بدأ يحكي بصوت منخفض:
- قبل سنوات، وقبل أن أولد حتى، جاءنا زائر أجنبي يحمل معه رقعة الشطرنج التي رأيتها. علّم رجال القرية قواعد اللعبة، ومنذ ذلك اليوم، نسي الرجال مشاكلهم مع نسائهم وأولادهم، بل نسوا أراضيهم وأشغالهم وممتلكاتهم، وانشغلوا بالشطرنج!
وذات يوم، اختفى بيدق الملك الأبيض. اشتعلت الخلافات، وتبادلت الاتهامات بسرقته، حتى قرر أحدهم أن تستمر اللعبة من دونه. لم تمضِ فترة طويلة حتى اجتمع أهل القرية، واتفقوا على التخلص من الملك الأسود أيضًا، فألقوه في النهر. ومنذ ذلك الحين، لم تعد رقعة الشطرنج تعرف الملوك.
اكتشف أهل القرية أن اللعبة صارت أكثر عدلًا ومتعةً من دون ملوك، إذ لم يعد القتال من أجل العرش، بل أصبح الجميع يحارب من أجل الجميع.
قاطعته متسائلًا: "وماذا عن الملكة؟ لماذا لا تزال هناك؟"
ابتسم وقال: "الملكة أصبحت المقاتلة المدافعة عن الجميع. لم يعد في قريتنا فرق بين الرجال والنساء، ولا بين الوزير والجندي. حتى الحمير تغيرت مكانتهم، فصار الأهالي يعاملونهم باحترام، باعتبارهم نظراء الحصان في اللعبة!"
ثم شدّ على يدي قائلًا برجاء: "لذا، أرجوك يا أخي، عد إلى المقهى، أنهِ وجبتك، وارحل دون ملاحظاتك البديهية... لا نريد العودة إلى عهدٍ نسيناه، ولا نرغب في استرجاعه."
وبالفعل، غادرتُ القرية، ولم أعد إليها... أو بالأحرى، لم أتمكن من العثور عليها مجددًا. كانت كل القرى المجاورة تلعب الشطرنج، لكن دون أي بيادق... سوى ملكين وحيدين، غبيين، صامتين، على رقعة مهترئة...!
كالغري - كندا
2023



Comments